محمد أبو زهرة
1445
زهرة التفاسير
والنداء متجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا أحدا ، ووجد بينهم المنافقون ينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ويرجفون في المدينة ، ووجد أيضا المترددون الضعفاء الذين استجابوا أو كانوا على استعداد للاستجابة ، إذ دعا بعض المنافقين بأن يتوسطوا عند أبي سفيان لينجوا بأجسامهم . ومع أن الخطاب ابتداء لهؤلاء له وجه عام ، وهو نداء المؤمنين في كل الأجيال وفي كل الأحوال بألا يسايروا الكافرين ، رجاء نصر ، أو تحقق نفع ، وألا يمالئوهم بأي نوع من أنواع الممالأة ، فإن الكافرين في كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا ، ولا يرجون لهم إلا أن يكونوا قوما بورا ، فالآية الكريمة تحذر المؤمنين تحذيرا عاما بألا يطيعوا الكافرين ، ولا يستنصروا بهم ، ولا يجعلوا لهم ولاية عليهم ، لأن ولايتهم غير ولاية اللّه ، وولاية اللّه هي الولاية الحق ، وهم موضع غضب اللّه تعالى دائما ، والذي يتولاهم ويستنصر بهم ، فإنما يتولى قوما غضب اللّه عليهم ، واللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) [ الممتحنة ] . وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى نتيجة إطاعة الكافرين في أي عصر من العصور إن كان هناك احتمال لذلك . فذكر في جواب الشرط نتيجتين ، كلتاهما مترتبة على الأخرى ، أولاهما : أشار إليها بقوله سبحانه : يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، والثانية المترتبة عليها : أشار إليها بقوله عزّ من قائل : فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . ولنتكلم بكلمة موجزة في كل واحدة من هاتين النتيجتين المتلازمتين اللتين يقتضى وجود إحداهما وجود الأخرى : فالنتيجة الأولى ، وهي ردهم على أعقابهم ، معناها أن يرجعوا إلى موضع الذلة الذي كانوا فيه قبل أن يؤذن لهم بالجهاد أو يرجعوا إلى ما كانوا عليه في غير انتظام وفي اضطراب ، والمضطرب دائما لا يملك زمام نفسه ، والأعقاب جمع عقب ، وهو مؤخر القدم ، والتعبير ب : يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، فيه إشارات إلى أمور ثلاثة ، أولها : أن هذا مطلب للكافرين ، فإن أطعتموهم فقد حققتم لهم